من تأمين الغذاء إلى حمايته من التلف.. معاناة جديدة تلاحق نازحي غزة

من تأمين الغذاء إلى حمايته من التلف.. معاناة جديدة تلاحق نازحي غزة
تقارير وحوارات

غزة / آية عبد العال:
لم تعد معاناة الأسر في قطاع غزة تقتصر على الحصول على الغذاء، بل امتدت إلى كيفية الحفاظ عليه، في ظل نزوح مئات الآلاف من المواطنين عن منازلهم التي دمرتها الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واضطرارهم إلى العيش وتخزين احتياجاتهم الغذائية الأساسية داخل خيام تفتقر إلى الكهرباء ووسائل التبريد والتخزين الملائمة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

وتواجه الأسر، ولا سيما النازحة منها، صعوبة في حماية ما تحصل عليه من طحين ومواد غذائية أساسية من التلف والتلوث، في ظل تعرضها للحرارة والرطوبة وانتشار الحشرات والقوارض، حيث تحوّلت مهمة حفظ الغذاء داخل الخيام إلى عبء يومي يضاف إلى أعباء النزوح، في وقت يصعب فيه تعويض ما يفسد أو يتلف منه بسبب محدودية المساعدات وارتفاع كلفة شراء البدائل.
طحين شحيح وخوف من التلف
ويقول النازح محمد سعد (55 عامًا)، وهو أب لثمانية أبناء، إن الحصول على كيس من الطحين لم يعد أمرًا سهلًا، في ظل تقلص المساعدات التي تتلقاها الأسر من المؤسسات الدولية، موضحًا أن عائلته قد تنتظر فترة طويلة للحصول على كيس واحد لا يكفي احتياجاتها.
ويضيف لـ»الاستقلال «أن شراء الخبز الجاهز ليس خيارًا متاحًا أمامه يوميًا، بسبب بُعد المخابز ونقاط توزيع الخبز عن مكان نزوحه، فضلًا عن عدم قدرته على تخصيص مبلغ يومي لشراء الخبز، في ظل عدم وجود عمل لديه وكثرة احتياجات أسرته.»
ويكمل «: «أصبحنا نخاف على كيس الطحين أكثر من أي شيء آخر. بمجرد أن نحصل عليه تبدأ رحلة الحفاظ عليه، لكن الحرارة داخل الخيمة تجعل الحشرات تنتشر فيه بسرعة».
ويوضح سعد أن التخلص من أي كمية من الطحين يمثل خسارة لا تستطيع الأسرة تعويضها، ما يدفعها إلى محاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن منه.
ويستذكر قائلًا: «خسارة كيلو واحد من الطحين مؤلمة، لأننا دائمًا نتذكر أيام المجاعة التي عاشها القطاع خلال عام 2025، حين عانت العائلات من نقص حاد في الغذاء وشح المواد الأساسية. لذلك نقوم بغربلته وتنقيته، ونحاول الحفاظ على كل كمية منه، لأننا لا نملك بديلًا إذا تلف».
حفظ الطعام.. مهمة يومية
وتوضح صابرين مسعود، وهي نازحة تقيم في خيمة داخل أرض زراعية بمدينة النصيرات وسط قطاع غزة، أن حفظ الطعام أصبح مهمة يومية شاقة في ظل غياب وسائل التخزين والتبريد التي كانت متاحة لها قبل الحرب.
وتقول لـ»الاستقلال»: «قبل الحرب كنا في بيوتنا نضع الطعام المتبقي والخبز داخل الثلاجة، أما الآن فأقضي ساعات اليوم وأنا أنقل الخبز والطعام والسكر من مكان إلى آخر، بحثًا عن مكان أقل تعرضًا للحرارة والحشرات».
وتشير مسعود إلى أن وجود خيمتها داخل أرض زراعية يزيد من معاناتها بسبب انتشار النمل والذباب، ما يجعلها مضطرة إلى مراقبة الطعام باستمرار ونقله من مكان إلى آخر لحمايته.
وتضيف أن الأمر يزداد صعوبة مع الطحين، إذ تحاول وضعه في أكثر الأماكن برودة وجفافًا داخل الخيمة وإغلاقه بإحكام، إلا أن ذلك لا يمنع تعرضه للحشرات مع مرور الوقت.
وتصف معاناتها قائلة: «أضع الطحين في أكثر مكان بارد داخل الخيمة وأغلقه بإحكام، لكن الحرارة تدخل من كل مكان. بعد أيام أجد السوس قد بدأ ينتشر فيه، فأغربله أكثر من مرة قبل العجن، لأنني أخشى أن أخسره بالكامل».
عبء إضافي
ولا تتوقف معاناة الأسر عند الحشرات، إذ تواجه أم رامي أبو زر انتشار القوارض التي تجد طريقها إلى المواد الغذائية، ما يضيف عبئًا جديدًا على أسرتها لحماية ما لديها من طعام.
وتوضح أبو زر لـ»الاستقلال» أنها تضطر إلى استخدام المصائد واللاصقات للحد من انتشار الفئران، وهو ما يضيف تكاليف جديدة إلى احتياجات الأسرة، في وقت تحاول فيه تقليل نفقاتها اليومية قدر الإمكان.
وتروي أنها عثرت في إحدى المرات على آثار للفئران داخل كيس الطحين، ما دفعها إلى التخلص منه خشية تلوثه وعدم قدرتها وأسرتها على تناوله، واضطرت بعدها إلى شراء كيس جديد لتعويض ما فقدته.
مخاطر التخزين
وتحذر أخصائية التغذية العلاجية ميسون عصفور من استهلاك الطحين إذا ظهرت عليه علامات التلف، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة وسوء ظروف التخزين يزيدان من احتمالية نمو الفطريات وتكاثر الحشرات، ما يجعل حفظ المواد الغذائية داخل الخيام تحديًا إضافيًا للأسر النازحة.
وتقول عصفور لـ»الاستقلال»: «إذا اقتصر الأمر على وجود حشرات داخل الطحين، فيمكن تنقيته وغربلته جيدًا واستخدامه، بشرط ألا يكون قد تعرض للرطوبة أو ظهرت عليه علامات العفن أو تغيرت رائحته أو لونه، لأن ذلك قد يشكل خطرًا على صحة المستهلك».
وتوضح عصفور أن تعرض الطحين للقوارض يختلف عن مجرد وجود الحشرات، إذ إن ملامسة القوارض للغذاء قد تؤدي إلى تلوثه، ما يجعل التخلص منه أكثر أمانًا من محاولة تنظيفه أو إعادة استخدامه. كما أن ارتفاع الحرارة والرطوبة يسرّعان تدهور الطحين ويزيدان فرص نمو العفن وانتشار الحشرات.
وتنصح عصفور بحفظ الطحين في أوعية نظيفة ومحكمة الإغلاق، وعدم خلط الطحين القديم بالجديد، ووضعه في أكثر الأماكن جفافًا وبرودة قدر الإمكان، مع استخدام الكميات الأقدم أولًا لتقليل فرص تلفها.
وتؤكد أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان قطاع غزة تجعل الحفاظ على سلامة الغذاء تحديًا يوميًا، داعية إلى تعزيز الوعي بطرق التخزين السليمة، خصوصًا في ظل غياب الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق